بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي يفتح بالرحمة على من يشاء من عباده, المبقي في أمة محمد صلى الله عليه وسلم الرؤيا التي هي جزء من وحيه لتتلقى توفيقه وإرشاده , هو الإله الحق الذي لا تنقطع كلماته ولا تنفذ عجائب نصرته وآياته , قاطع الوعد على نفسه باستخلاف المؤمنين من هذه الأمة كما استخلف من سبق , ومن أصدق منه وأوفى بما وعد , والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه . أما بعد :

      

إن من أعظم المبشرات التبشير ببعث مهدي الله تعالى المنتظر , والبشرى به سنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام إذ سبق وأطلقها في أمته فقال : ( أبشركم بالمهدي يبعث في أمتي على اختلاف من الناس وزلازل )(1). وقال عز وجل في خبره : ﴿  ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . الذين آمنوا وكانوا يتقون . لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة  لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم ﴾(2) الآية التي كان يطابق معناها الرسول صلى الله عليه وسلم بالبشرى بالمهدي , إذ أن البشرى الوارد ذكرها في الآية هي الرؤيا التي يبعث بها المهدي وهي مختصة به وببعثه وإياها كان يعني عليه السلام بتبشيره بخبر المهدي , ولما سئل عن الآية في سورة يونس فسر ذلك بالرؤيا ولأهمية هذا الأمر ختم كلامه مع جمع أصحابه في مرض موته بقوله الآتي : ( اللهم هل بلغت ـ ثلاث مرات ـ إنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد أو ترى له )(3).

 

ومراده في قوله هذا الرؤى التي يتحقق بها بعث المهدي قطعا ومن حمل دلالة آيات سورة يونس وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا على المعنى العام للرؤيا التي يشترك بها المسلم والمؤمن والمنافق والكافر فقد أخطأ في فهم المراد وحمل تكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحمل مشقة الإبلاغ بهذا وهو مريض على غير ما يستحق كل هذا , وإذا كان من الممكن المجادلة فيما ذكرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن الجهل المنازعة بمثله على دلالة الآيات في سورة يونس , ومن ظن أن الفوز العظيم محقق على العموم لكل من رأى رؤيا مبشرة فهو جاهل بحق على هذا الفهم ومثل هذا لا يأسف إلا على نفسه وهو بهذه المنزلة من الإدراك , وسبق وفصلت (4) في أن الآية لا يمكن أن تحمل إلا على أمر المهدي المنتظر " خليفة الله تعالى " فهو على رأس الفائزين آخر الزمان , وآخرهم من يبشرهم عيسى عليه السلام بمنازلهم من الجنة وهم أحياء لم يبرحوا الدنيا بعد .

 

ولما كان أمر المهدي وبعثه من الغيب الذي اختص الله تعالى نفسه بعلم كيفيته , فكل من ادعى تفصيل ذلك لنفسه من دون الله تعالى فقد كذب على الله سبحانه , وكذلك كل من زعم لنفسه أهلية نفي تحقق بعثه من دون الله تعالى وسلطان من العلم فقد كذب كذلك , وقد أوجب الله في أنباء الفسقة التبين , فكيف نبأ تحقق بعث المهدي إذا ما تحقق , لا شك أن من يهجم على خبره إنكارا بغير برهان وإعراضا من غير تبين فهو بذلك يعد من أجهل خلق الله تعالى , فإذا خالف أمر الخالق في رد خبر الفاسق من غير تبين فكيف برد خبر الخالق نفسه عن خليفته ومهديه المسدد لا شك أن هذا من أجهل الخلق وأضل البشر .

 

ولا أجهل من هذا وأضل منه إلا من جعل لوازم على بطلان خبره فتيقن بها على ذلك , مثل قول بعضهم أن وجود ولاة العصر مانع لخروجه(5), وقول آخرين أن عدم فناء الحضارة والعودة إلى الخيل والسيف قاض على عدم خروجه(6), أو أن يقطع بعضهم أن هذا ليس أوان خروجه هكذا بالظن ويزيد على هذا أن يشترط قبل تحقق خروجه صحوة عامة وأوبة تشمل الكثير من أهل الإسلام(7), وأضل من هؤلاء جميعهم من يقطع بقيام الخلافة الراشدة قبله وتحرير بيت المقدس !!(8)، وهذا كله من التخرص والقول على غيب الله تعالى بالجهل , والله جعل لتأويل أمر المهدي بينات ودلالات لا تخفى إلا على أمثال هؤلاء الجهلة الذين تركوا ما في خبره من محكم إلى المتشابه والظنون .

 

ومن المحكم في خبر بعثه تحقق تأويل سورة الدخان وتحقق كثرة الزلازل وظهور الفتن وتقارب الزمان وغير هذا مما دل عليه النقل , مع ما يصاحب بعثه من براهين وجودية(9)قاطعة على صحة بعثه وأن أمره من الله تعالى ولو كره أكثر الناس ذلك , ولا يعرض عن دلالة ذلك كله إلا من ظلم نفسه وسعى لحرمانها من بركة ما ينال أمة محمد صلى الله عليه وسلم من خير وفضل جاء الكتاب في بيانه والسنة في تفصيله , والله غالب على أمره ولو كره أكثر الناس ذلك .

 

ومما يهم تقريره في هذا الكتاب وبيانه للناس كافة من بعد ما سبق وتقرر بسطه في كتبي التي أتت على ذكر الأدلة النقلية الدالة على تحقق بعث " خليفة الله تعالى " المهدي , هو التعريف بشيء من التفصيلات المعرفة بكيفية تحقق تأويل بعثه وخروج نبأه من جهة مشرق الشمس للمدينة المنورة , وكيف أنيط ببعض الفتية مسؤولية حمل خبر هذا البعث ونشره في جزيرة العرب , إذ كلفوا على وفق رأى وقعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى المدينة وتبليغ بعض المشايخ وطلبة العلم خبره لعلهم يتذكرون ، وبعد ما يقارب التسع سنين أو أكثر كتبت في آخرها الكتب التي خلصت بها إلى أن هذا البعث حق وهو من الله تعالى لا شك في ذلك من بعد روية وصبر وهداية من الله تعالى بتراتيب عجيبة ولطف لا يحيط بتفاصيله إلا من يسر الله له إدراك غوره وتبين حكمته , وما كنت هذه المدة أبالي بخلاف المخالفين وتكذيب الجاهلين وكان كل توكلي على المولى عز وجل ليقيني بأنه معي وأن ما أنا عليه حق منه هو أحدثه وقامت عندي البراهين على ذلك , فكيف يضرني بعد هذا شيء من المخلوقين أو يعيق تصديقي وقد قامت لي البراهين منه سبحانه مصدقة لهذا الأمر وحاكمة في أنه من الله تعالى , إذا أكون من الكافرين والعياذ بالله تعالى .

 

 ويعلم الله أنه لم يشق على نفسي تكذيب من كذب هذه الدعوة وطعن من طعن وسخر , فهذه سنة فيمن سبق وابتلاء لابد منه , بقدر ما شق علي تكذيب وخذلان من أناط الله تعالى بهم تبليغ خبر هذا البعث وتحقق التأويل , إذ أن هؤلاء من بعد ما كان بهم ابتداء تحقق التأويل والصبر عليه حتى أنهم من شدة تصديقهم لم يبالوا حين أمروا بالخروج لجزيرة العرب وإبلاغ الناس هذا النبأ , لم يبالوا بعظم الأمر وما يترتب عليه من مخاطر وتعريض للنفس إلى الإهلاك , ولولا يقينهم ما كانوا ليفعلوا هذا ومضوا على هذه الحال محتسبين على الرغم من رفض سلطان الجزيرة لسعيهم هذا , واعتراضه لسبيلهم وزجهم في السجن وعرضهم على القضاة يحكمون بأمرهم , فصبروا لذلك ولم يبالوا حتى حسبوا على هذا الأمر , وكان يقينهم لا يوصف ويعجب منه من عرفهم أيامها من السجانين وغيرهم , إلا ما كان من حال الفتى الرائي الذي كان يزعم أنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلمويذكر عنه رؤى تقع له سأذكر بعضها بالنص في الباب الأول من هذا الكتاب , فهذا الغلام وكانت به سذاجة شديدة وطيبة من النوع الغالبة على الكثير من أقرانه الحدثاء التي إن وجدتها بأحدهم صعب عليك أن تصدق من مثله أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد كان مما اتفق عليه من عرفه من دوني وهم أخص به مني مثل هذا الخالدي المنافق وغيره ممن وافقه على كذبه وافترائه على هذا الأمر , اتفقوا جميعهم على صدق هذا الرائي وأنه لا يمكن أن يقع منه كذب في هذا الأمر ونسبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم , هذا متفق عليه من جميع من دخل معه السجن حتى أنه من ثقتهم بهذا الأمر صبروا للحبس أكثر من خمس سنين لم يتراجعوا طوالها على الرغم من الترهيب والجدل من القضاة وتخويف السلطان لهم بالذبح !! أو طول الحبس !! , فلم يردعهم هذا إلا ما كان من هذا الفتى الرائي سفيه العقل , إذ فوجئ أصحابه وهم بسجن المدينة أول الأمر يشيع رجال الأمن وغيرهم إقرار الرائي ببطلان الأمر , وأنه مما لفقه له المهدي نفسه وكان يجبره على إدعاء هذه المرائي فذهل أصحابه ليقينهم بعدم صحة هذا الإدعاء فهم أعلم الناس بأمره فارتابوا من هذا الأمر وتيقنوا أن هذا من تدبير المحققين وألاعيبهم فوعظه أحدهم وخوفه بالله وهجروه فيما بعد , وكان الهدف توريط المهدي نفسه بهذا وإخراج الجميع من هذا الأمر , إلا أن الله تعالى لطف وأبطل كيد الشيطان , إذ أنهم حين عرضوا على القاضي تفاجأ الجميع بالفتى الرائي يقر على نفسه أن ما رآه كان حق وأنهم أرغموه على إدعاء ما سبق وأن من كانت له الرؤى لا شأن له بإحداثها بل هي صدق وهو الذي رأى ما ذكر عنه , عندها حكموا عليه(10)ومن معه بالسجن ونقلوهم إلى الرياض عاصمة الدولة السعودية .

 

هذه مقدمة ضرورية لا بد من ذكرها لتعرف أخي المؤمن أنه بعد ذلك عمل إبليس اللعين عمله الذي عجز عنه جهاز المخابرات وأتم غايته التي تعذر عليه إنجازها بقوة السلطنة وجهاز الداخلية والقضاة , وهو الصد عن هذا الأمر ومحاولة إعاقته , فأصاب الذين كانوا يدعون لهذا الأمر وهم بالسجن بمقتل , إذ طال عليهم الأمد وقست قلوبهم فزين لهم الرجوع عن هذا الأمر والكفر به , فانبرى أحدهم وهو المدعو أحمد بن حمود الخالدي يشكك بصحة الرؤى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقي عليها الشبه مما جهلوا تأويله أو مما لعله يكون قد وقع منه خطأ أو سهوا أو لا يستبعد أن يكون بعضه من إلقاء الشيطان تلبيسا على هذا الأمر , ولا يستبعد كل هذا خصوصا وقد عرف من هذا الفتى الرائي كما قلت سذاجة غريبة وغباوة مفرطة خصوصا في ذلك الوقت , إلا أن هذا لا يعني أن أصل الرؤى التي وقعت له غير صحيحة على ما بينته وسأبينه مما جاء تصديقا لها , ومع ما علم من حاله ضروريا أنه لا يمكن أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , وهذا لا يمكن أن يقر بخلافه حتى صاحبه المنافق الخالدي وهو خصم الآن لهذه الدعوة المباركة . قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : نبي الله لا يكون نبيا لغير الله فلا يقبل أنباء أحد إلا أنباء الله , وإذا أخبر بما أنبأ الله وجب الإيمان به فإنه صادق مصدوق ليس في شيء مما أنبأ الله به شيء من وحي الشيطان , وهذا بخلاف غير النبي فإنه وإن كان قد يلهم ويحدث ويوحى إليه أشياء من الله ويكون حقا فقد يلقي إليه الشيطان ويشتبه هذا بهذا فإنه ليس نبيا لله (11)اهـ .

 

وكذلك هذا الرائي ليس بنبي فقد يلقي له الشيطان ما يريد به التلبيس فأين لمن في مثل حاله أن يكون شديد التنبه دقيق الفطنة , ومثله كذلك أصحابه إن كانوا في بادئ الأمر يأخذون جميع رؤاه عن النبي صلى الله عليه وسلم حقا قاطعا لا يمكن أن يرد عليها شيء من الوهم والخطأ , وهذا غير مستبعد أن يكون اعتقادهم في جميع رؤاه رؤيا رؤيا , فقد كانوا سذجا بسطاء قليلي علم , أما من يعنيه الأمر فقد كان شديد الحرص شديد الترقب أن يكون هذا باطلا فيكشف أمره ولعلهم ما فطنوا لذلك منه والله عليم بالحال سبحانه .

 

الحاصل أنهم رجعوا بعد ذلك جملة كما كانوا يؤمنون به جملة وكأنه نبي لا يرد عليه الخطأ والنسيان وهذا هو الظاهر من حالهم , إلا أنه بلغني أنهم قبل رجوعهم أصلوا أن رؤاه قبل السجن تحمل على الضبط وبعد السجن على خلاف ذلك كـأنهم وجدوا منه تخليط , ثم عادوا وضربوا عليها كلها , وهذا يدل على مدى اضطرابهم وجهلهم في فهم الأمر باتوا ألعوبة للشيطان نحمد الله على السلامة ونسأله الهداية في جميع أمور ديننا .

 

الحاصل أن المنافق الخالدي ابتدأ يشكك بالرؤى من بعد إيمانه بها وأقنعهم أن سعيهم كان باطلا , وتصديقهم ضلال ووجد غنيمته بشدة سذاجة الفتى الرائي وسهولة التلاعب به(12)فانقلب الحال وتملصت العزائم , وفرح هذا المنافق الخالدي بما آل إليه الأمر إذ طاوعه الفتى , وأخذ يغالط ضميره ويقر أنه كان يرى الشيطان وليس هي من رؤى الرحمن لمثال رسـول الله صلى الله عليه وسلم كما يدعي في السابق , فأوقع هذا الخالدي ومن معه هذا الفتى الساذج حين زين له ادعاء أنه لم يكن يرى رسول الله بل شيطان يتخيل له أنه رسول الله  صلى الله عليه وسلم فأوقعه بكلا الشرين نعوذ بالله من الخذلان , أخرجه إلى أنه كان طوال هذه السنين يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , وأدخله على أنه بالفعل الآن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ ينفي أنه رآه في المنام , وهو بالفعل رآه في منامه لاشك في ذلك فكل دلالات الصدق كانت على أنه لم يكن يكذب بزعمه رؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام , نعم قد يغلط في بعض ذلك فهو ليس نبي لله أما أنه لم يكن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكذب ورب الكعبة هذا المنافق الخالدي وكذب الرائي نفسه بدعواه عدم الرؤيا , فالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم نفيا وإثباتا كله كذب , والذي يدل على كذبهما أن كل من عرف حال الفتى سابقا ممن صدقه ما كان يشك أنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ظاهر من حاله ومتيقن لكل من أمعن فيها , فقد كان يصف من الصفات مالا يمكن بحال إلا أن يكون وصفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم , لقد كنت والله أتبين منه كل شيء حتى صفة الأنف وكنت أعرض أنوف الرجال في المجلس من يشبهه وكذلك الجبهة وغير هذا , وكنت مما أسأله عنه هيئة اللحية والوجه , وكان مما يصف من رؤياه مالا يمكن بحال إلا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول له في منامه أنا رسول الله , أنا رسول الله حتى أنه ذكر أنه طرح الرداء عن ظهره وأراه خاتم النبوة بين كتفيه وكان يشير إلى صدره ويقول أنا رسول الله على حسب ما كان يذكره وسأذكر لاحقا في الفصل الأول هذه الرؤيا وستجدها بالنص هناك وقد عرضت على يوسف المطلق ومعها الرؤيا الأولى فعلق تفسيرها على ورقة الرؤيا الأولى كما ستراه هناك إن شاء الله تعالى .

 

وكذلك ذكر أنه رأى الخاتم بيده وكان بالرؤيا يقرأ عليه نقش اسمه عليه الصلاة والسلام , كل هذا لا يصح أن يكون به المرئي غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعم هذا جحود والعياذ بالله , والله تعبدنا أن نبيه إذا تراءى لأحد في المنام فهو مثاله الحق الذي لا يمكن للشيطان أن يخيل به وقد قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدم تمكن الشيطان من ذلك , ولم يبق إلا الزعم بأنه كان يكذب وهذا مستبعد كما ذكرت سابقا حتى أنهم من خبث طويتهم ولعلمهم بهذا لم يدعونه على الفتى بل أوهموه انه كان يرى وهو باليقظة ما يتخيل له أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا كذب وهو يعلم ذلك عليه اللعنة , وتارة يعودون ويدعون أنه ينام بالفعل إلا أنه إذا أفاق من نومه خيل له أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنهم الله جميعا يعبثون بهذا الجزء من الوحي وبآكد ما فيه وهي رؤيا المصطفى من غير تقوى وخشية من عذابه , وهذا دال على جهلهم وأنهم ليسوا على شيء .

      

وكان من حال هؤلاء في السجن بعد رجوعهم أن طافوا على من كانوا يدعونهم لهذا الأمر يقرون أمامهم بالخيبة والخذلان يتوبون أنفسهم ويفاخرون بهذا كهيئة من عاد منتصرا معززا , تولاهم الشيطان وأضل أعمالهم ومناهم وسول لهم أن الأمر سينتهي بذلك , وما علموا من شدة سذاجتهم وسفاهة عقولهم أن من ورائهم من يريه الله تعالى في وجه السماء آيات صدق هذه الدعوة ويكتب له على أسطر الأيام والسنين عجائب براهين هذا الأمر , الحجة لله والأمر أمره .

      

هذا ما آلت إليه أمور الذين خرجوا للتوطئة لأمر المهدي وكم شق على نفسي ذلك إلا أني صبرت وقلت لعلها كبوة فيراجعون الحق بعدها , أو لعلها غفلة تتبعها يقظة , فرجوت ورجوت أن يكون ضعف يتجاوز عنه الإله الحق لسابقة جهادهم وتصديقهم , إلى أن انبرى هذا المنافق الخالدي يصد عن هذا الأمر ويطعن به على ما سأبينه من حاله وجهله لاحقا بالفصول التالية , وأخذ يغرر ببعض السفهاء ومن غلبته الريبة وعلته الرعدة (13) كبر عليه نشر الكتب في تقرير براهين هذه الدعوة , والتجريد المتين لبيان أصولها القوية , وظن بما فعل أنه أنهى الدعوة المهدية , وهذا من جهله فما كان إلا ذنبا بالحق فتحول إلى أن يكون ذنبا بالباطل أخزاه الله ولن يجني بذلك بحول الله تعالى ونصرته إلا العار وفضيحة الأسرار إذ لو ستر على نفسه لترك وستره فأبى إلا أن يهتك عليه ستره , فكان هذا ما دعاني للكتابة في بيان هذه الحقيقة وذكر تفصيل ابتداء بعث المهدي من بعد ما كنت أعرض عن هذا لعدم رغبتني بإشغال غيري بمعرفة تفاصيل لعلها لا تفيد في تقرير حقيقة الدعوة المهدية ودلائل صدقها كما يفيده بيان أدلتها النقلية والواقعية المدلول عليها من الكتاب والسنة , وانصرفت الهمة بدلا عن ذلك إلى تجلية دلالات النصوص النقلية وحقيقة مـا دلت عليه من أحداث واقعية دالة على تحقق بعث " خليفة الله " المنتظر كما هو وارد على التفصيل في كتبي ورسائلي(14), والله تعالى وحده هو الموفق لكل خير والهادي لسبيل الرشاد .

 

ومن أجل بيان كيفية ابتداء تحقق بعث الدعوة المهدية واقتران ابتدائها برؤيا مثال النبي صلى الله عليه وسلم بالمنام , وما يتعلق بذلك من أحكام وأخبار لها صلة بهذا الأمر , وبيان ما حصل بعد ذلك من أحداث وبراهين دالة على صدق ذلك البعث , وما تلا ذلك من تكذيب المكذبين وخذلان الخاذلين , قمت لبيان هذا وأنا أسأل المولى عز وجل أن يوفقني بتيسير ذلك نصيحة للمؤمنين وفضحا للمكذبين والمنافقين , بتقسيم الكتاب إلى ثلاثة أبواب أتت على تفصيل ما ذكرت من أمور وأحوال تجلي الدعوة على حقيقتها وتقطع الطريق على من استغل الغموض في بعض جوانبها للنيل من صدقها وأنها ليست من بعث الرحمن , وقررت بين ثنايا تلك الأبواب فصولا من الفوائد والفرائد أسأل الله تعالى أن يتم بذكرها إفادة طلاب الحق والفلاح , وأن يتحقق لتفصيلها القبول والنجاح , وأسأله سبحانه أن يعزنا وأولياءه بالإسلام ويعز الإسلام بنا إنه ولي الصالحين ومذل الكافرين القادر على كل شيء , والصلاة والسلام على الهادي لطريق الله نبينا محمد وعلى من اتبعه ووالاه .

 

 

 

 

الفصول
الباب الأول
الباب الثاني

 

 

 

 

 

 

 

( 1 ) رواه الإمام أحمد ، وأبو يعلى .

( 2 ) سورة يونس (62 – 64) .

( 3 ) رواه مسلم وغيره .

( 4 ) كتاب بيان وجوب الاعتزال (1/178) وما بعدها و (2/125) وما بعدها .

( 5 ) قاله عبد العزيز بن باز .

( 6 ) قاله محمد عزت في كتابه ( المهدي بينات وعلامات -76) وأمين محمد جمال بكتاب ( عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي ) , ومحمد شبانه في كتابه ( مختارات من أحاديث الفتن ) , وسلمان العودة في كتاب ( صفة الغرباء ) . وهؤلاء خاضوا في أمر المهدي كثيرا وأتوا بتخاليط عجيبة من الأقوال تنم عن جرأة طائشة بالتقول على الله تعالى واستكثار بالخوض بالجهل , ولا يسعني الوقوف طويلا هنا واستقصاء جميع ما قالوه إلا أني أذكر أغربها على الإطلاق , إذ قطع مؤلف ( عمر أمة الإسلام ) بهذا القول مع قطعه كذلك بأن المهدي سيخرج بعد موت فهد ملك السعودية , انظر هذا عجب من الجهل والتهور في الكلام عن مسائل الغيب والاعتقاد فكيف يصح بالعقل تصديق فناء الحضارة المتطورة جدا التي شملت المعمورة كلها بفترة زمنية وجيزة , هذا لا يعقل أبدا , ومع ذلك هو مبني على تأصيل فاسد وهو اعتقاد لزوم فناء الحضارة المعاصرة قبل خروج المهدي .

( 7 ) قاله الألباني وأشار إليه بعضهم كـ : سلمان العودة ، وصاحب كتاب ( المهدي حقيقة لا خرافة ) محمد المقدم ، ومؤلفا كتاب ( الجماعات الإسلامية ) سليم الهلالي وزياد الدبيج .

(8)  هو الألباني وبعض مقلدته كالهلالي والدبيج , إلا أن الألباني هذا منقطع النظير بالجرأة بالتخرص والكلام بجهل في هذا الشأن , وهو متقن جدا لدبلجة الكلام لينتهي إلى أن القول أن الخلافة لا تقوم قبل المهدي ضلال ومخالف لسنة الله الكونية والشرعية وأنها مقولة خرافة !!, وهذا الرجل زيادة على أنه ملوث بجهل الأحناف لم يمت إلا وبه لوثة الهرم كذلك .

( 9 ) مثل تبشيره بالرؤيا بعد خمسة أشهر من حمل زوجته أن الذي في بطنها ولد وسيكون صالح بإذن الله تعالى وأمر بأن يسميه عبد الله , وتحققت الرؤيا فيما بعد وولد الولد وصدقت الرؤيا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وزيادة على ذلك تحقق في الولد بعض صفات ورد في الأخبار أنها من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويعد تحقق هذا مصححا للرؤيا ودال على أنها من الله تعالى ومثل هذه الرؤى يصح بها التعيين والاستدلال على ما قرره شيخ الإسلام وابن دقيق العيد , وفي المتأخرين ابن عثيمين على ما سأفصل الكلام فيه في الفصول التالية بإذن الله تعالى .

 وفي هذا وغيره مما سأورده في مواضعه أبلغ رد على من كذب وأنكر أمر الرؤى التي تحققت في مبدأ بعثه , وكذلك على من ارتد عن أمره فيما بعد كالرائي نفسه والمنافق الخالدي وغيرهم ممن رجع عن الأمر من بعد ما كان مصدقا مؤمنا بصحة الرؤى . وليس هذا فقط بل ما زلت أعارض كل من كذب أمري من هؤلاء وغيرهم أن يأتوني بعدل يشهد بصدقه عدول رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام بصفاته المأثورة بالنقل ثم أعرض عليه ولدي فإذا شهد أنه لا يشبهه بحال في الخلق وأنه لم تتحقق به أكثر من صفة فعندها أرجع عن أمري وأقر ببطلانه , وماذا يريدون بعد هذا التجرد لله تعالى ولأمره قبحهم الله تعالى إلا الكذب بما لم يحيطوا بعلم تأويله . وأمثال هؤلاء أسوأ من أعرض عن العلم بالحق إذ مكنوا من العلم به غاية التمكين وأبوا إلا اختيار الجهل طريقا والرزية موئلا . وليس هذا فقط مما يدل على صدق هذا الأمر بل تحقق أمر عجيب وآية عظيمة إذ اقترن بمبدأ بعث المهدي فتى آخر كان يرى بعض الأنبياء غير هذا الرائي المنافق المرتد الذي رأى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراه بولده عبد الله , وكان هذا الرائي الآخر واسمه سلمان بن ناصر الفضلي قد وقعت عنده رؤيا عن الخليل عليه السلام , وسأنص على لفظها لاحقا بحول الله تعالى وعلى ما دلت عليه وأعطي المهدي بها موعدا على رأس سنة شمسية يرقب في منتصف الليل وسط السماء تلك الليلة , فرأى آية عجيبة وسط السماء لا يمكن أن يحققها إلا رب العباد سبحانه , فقطع بذلك دابر الشيطان واضمحل وسواسه وما بقي له إلا هؤلاء يتخبطهم بكذبه يصدهم عن تصديق كلمة المولى عز وجل , وكان في تلك تحقق أعظم ما يدل على صحة هذا البعث وأن الله تعالى هو الذي حقق ذلك , وقد رأى تلك الآية بعض أهل بيته وغيرهم وسأذكر تفصيلها وأعين وقتها وزمنها لعل ممـن أدركها من يقف على كلامي فيكون من الشاهدين , وإن لم يكن هذا من أوثق ما يدل به على صدق هذا الأمر وأنه من الله تعالى , فما الذي يدل إذا على صدق قول من خالف أمري هذا كالرائي وصاحبه الخالدي المنافق وغيرهم من الجهلة والأفاكين , فليس هناك إلا الجهل والكذب فلعنة الله على الكافرين .

    قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : علم من سنة الله تعالى وعادته أنه لا يؤيد الكذاب بمثل ما أيد الصادق قط , بل لا بد أن يفضحه ولا ينصره  , بل لا بد أن يهلكه ( النبوات 166) . وها أنا أدعو هذا الرائي ومنافقه الخالدي أن يروا الناس برهان صدقهم كما أيدني الله سبحانه ببراهين من عنده  , على ما سأفصله في هذا الكتاب الذي ما ألفته إلا بسبب ظلمهم وطعنهم بهذه الدعوة المهدية , ما دعاني لرد كذبهم ونفاقهم بتقرير الحق وكشف نفاقهم للأمة , حتى يعرفوا على حقيقتهم عند كل منصف مخلص لله سبحانه .

( 10 ) كان حكمهم عليه الأشد , أكثرهم جلدا وسنين , ويعد صبره على تلقي هذا الحكم طوال هذه السنين قبل رجوعه دليلا على أنه كان صادقا في زعمه الرؤيا في المنام .

( 11 ) النبوات لإبن تيمية (166) .

( 12 ) وأعان على ذلك أيضا طول مدة السجن عليه , مع ما تحقق من زيارة أمه له في السجن تمنيه بالزواج ولذة العيش , فانفطر قلب ذلك الغبي وكلَّ إيمانه , فسهل عليه بعد هذا تصديق ما قرره منافق الخوالد وأنه لم يكن يرى رسول الله بل كان يرى شيطانا ماردا ..‍‍ , ألا لعنة الله على الكافرين .

( 13 ) من أمثال علي الخضير وهو من قراء القصيم وهذا من أسوأ المرتابين والجبناء , فبينما الأمر بدأ به على الوجه العلمي والتقرير التفصيلي على وجه الاستشهاد والمحاججة العلمية الرزينة وقد تمت في ذلك مراسلات بيني وبينه انتهت به إلى ما يليق بطلاب الحق من تبين وبحث وترديد نظر لعله يورث معرفة الحق واليقين به إذ به عامله الله بما يستحق وبلحظة ما التقاه منافق الخوالد والرائي الكاذب السفيه ينقلب عن ذلك كله بالتكذيب والجحود متجردا حتى من الإنصاف إذ لم يرد إلي أقوالهم لعلهم يكذبون ويحرفون ويتأولون بالباطل على أمري وشخصي فهم خصومي الآن والظنة قائمة بحقهم فما كان من هذا إلا دليلا على مدى سفاهة عقول أكثر قراء هذا الزمان ولن يضر إلا نفسه بهذا بإذن الواحد الأحد .

( 14 ) كتاب ( وجوب الاعتزال ) و ( البيان الثاني لرد فريـة الجاني ) و ( رفع الإلتباس ) . وأبرز الرسائل والردود , على (جمعية إحياء التراث الكويتي ) و ( الرد على سلمان العودة ) .